عبد المنعم الحفني

82

موسوعة القرآن العظيم

للعاقلين وليس للغافلين ، ولأهل الحجى والبرهان وليس لأهل التباجح والبطلان ، فهل للكون من خالق سوى اللّه ؟ وكما أنه الواحد في ملكه فيكون الواحد في عبادته ، فكيف يكون أحد ثلاثة كما يقول النصارى ؟ وكيف يكون هو هذا الربّ الحقود الغيور الناقم الظالم الذي يتعبّده اليهود ، ولو كان كذلك لاختل الكون واضطرب ، ولما ارتفعت السماء وانبسطت الأرض . وطريقة القرآن في السؤال والجواب ، هي الطريقة المثلى للعلم والمعرفة والتعليم ، والنبىّ خير معلّم ، والقرآن خير الكتب للتعليم ، وكان السوفسطائية يعلّمون في اليونان بالأجر ، والعلم والمعرفة سلعتان بمنطق العصر ، وبلغة الاقتصاد والسوق ، وكان أحبار اليهود وقساوسة النصارى يتقاضون الأجور في مجتمع مكة والمدينة ، ولكن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعث معلما بلا أجر ، أو أن أجره عند من بعثه ، وسؤال الأجر معنى آخر للسؤال ، كقوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) ( يونس ) وهي إشارة إلى أن الداعي إلى اللّه لا ينبغي أن يتقاضى أجرا من مال أو دنيا لقاء دعوته وتعليمه ، والدعوة إلى اللّه عبادة وقربى اليه تعالى ، وتعليم القرآن بهذه المقولة من نوع التأديب لهم ، فمن الأسئلة ما لا ينبغي أن يوجّه ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) ( المائدة ) ، وقوله : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) ( هود ) ، وكأنه تعالى ينهى عن السؤال ، مع أن السؤال عمدة التعليم في الإسلام ، وهو أساس الحوار الذي هو منهج التعليم ، إلا أن الأسئلة قد تكون من باب الإعنات والعناد ، فتلك هي المنهىّ عنها ، وقد تكون للعلم والاستزادة منه ، ولترسيخ الإيمان ، ولاستجلاب اليقين ، وقطع دابر الشك ، وإنهاء العلم بالظن ، وهذه هي الأسئلة التي يجب أن يسألها المؤمنون ، وقد سألوا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يطلبون العلم ، وسأله المكذّبون مكابرة ، وبعض ما قيل من أسئلة جاء بصيغة : يَسْئَلُكَ ، يقول يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ ( 153 ) ( النساء ) ، و يَسْئَلُكَ النَّاسُ ( 63 ) ( الأحزاب ) ، أو بصيغة يَسْئَلُونَكَ ( 189 ) ( البقرة ) وهي الصيغة الأغلب والأعم ، وتأتى اثنتي عشرة مرة ، وتوهم بالعدد الكثير للسائلين وتعظيم أسئلتهم ، وبعض السائلين كانوا أفرادا ، كسؤال عمرو بن الجموح ، أو عبد اللّه بن رواحة ، عن النفقة : كم تبلغ ، وإلى من تصرف ؟ فكان الجواب على قدر السؤال ، فعدّد مصارفها ، قال : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ( 219 ) ( البقرة ) ، وقال : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) ( البقرة ) ، وقال : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ